Radio Netherlands Worldwide

SSO Login

More login possibilities:

Close
  • Facebook
  • Flickr
  • Twitter
  • Google
  • LinkedIn
الصفحة الرئيسية
الأحد 12 February RNW - NEWS, ANALYSIS AND BACKGROUND IN 10 LANGUAGES, WORLDWIDE 24 HOURS A DAY, ON RADIO, TELEVISION AND THE INTERNET.
صورة اذاعة هولندا العالمية
Map
Amsterdam, Netherlands
Amsterdam, Netherlands

شجرة الصفصاف.. أمستردام

تاريخ النشر : 31 July 2010 - 8:00am | تقرير: إذاعة هولندا العالمية (rnw)
مفردات البحث

كتب: صالح حسن فارس/ ليال طويلة من الأرق، آلام غامضة المصدر في كل موضع من الجسد، رأس يكاد أن ينفجر، ورغبة حارقة بالبكاء. كل ما تريده: الذهاب إلى البيت. هذه هي أعراض الحنين.. كما يشعر بها الكثيرون. طوال هذا الصيف ستهتم إذاعة هولندا العالمية بموضوعة الحنين بمختلف تجلياتها. في هذه الحلقة يكتب الفنان المسرحي العراقي المقيم في أمستردام، صالح حسن فارس، تأملات في جزئين حول فكرة الحنين.

في بداية التسعينات، القيتُ تحية الوداع على مكان الشجرة التي اجتثت، ورائحة الماضي. حملتُ حقيبتي على كتفي، ذكريات الطفولة، دموع أمي وأخوتي وحزن الشجرة. أحمل المكان معي أينما أنتقل، المكان له لغته حزنه وفرحه. وصلتُ أمستردام، وأنا مشدوه ومندهش بالطبيعة الهائلة، شعرتُ كأني طفل تائه في غابة، أفتش بين الأدغال عن شجرة تُشبه شجرتنا التي اقتلعها أبي من الجذور، لم أجدها.

تسلحتُ بالأمل والحلم تركتُ الماضي وآمنتُ بالعودة إلى الحاضر. بعد سنوات طوال من الانتظار، لا شجرة لي. تزوجتُ وجاءت زوجتي من بغداد إلى أمستردام، وما زلتُ أبحث عن تلك الشجرة، شجرة الطفولة، صار الماضي بعيداً. الحاضر قريب، للحاضر أحلام بجناحين، تخلصتُ من سطوة الحنين، تركتُ ظلي هناك ولا أريد أن اتبعه، أغلقتُ الذاكرة، لا أريد العودة إلى الوراء أو إلى الهناك.

 

للحاضر أحن

تحدثتُ لزوجتي عن شجرة الطفولة التي قطعوها، سألتها: "هل تحنين إلى الماضي"؟ قالت، وهي التي لم تمض بعد سوى شهور على مغادرتها الوطن، في زمن تبدو فيه مغادرة العراق، مثل مغادرة سفينة غارقة: "ليس لدي أي حنين للماضي. الماضي جد قريب، الحنين إلى الوطن أشبه بحلم اليقظة، سأموت غريبة تحت المطر مثل شجرتك الوحيدة. الماضي: كوارث، فجيعة وموت. هناك كنتُ مثل شجرتك الحزينة، أبحثُ عن وسادة دافئة وهادئة آمنة. أنت قطعوا شجرتك وأنا ذبحوا أختي بسيارة مفخخة في بغداد. بعد أن رحلت أختي وضاعت بغداد، لا أريد العودة إلى الماضي، ربما للحاضر أحن".
ليس الماضي جديراً بالحنين، قلبي لا يطاوعني أن أعود للماضي.

 

حنين لأمستردام

قريباً من بيتي في أمستردام تقع حديقة "آراسموس" العامة. أركض فيها، وأتدرب على حفظ النصوص المسرحية. ذات ليلة مقمرة في إحدى المساءات الشتوية الباردة بينما كنتُ أمشي في الحديقة وأردد أغنية: "الاماكن كلها مشتاقه لك"، بصوت خفيف كي لا أوقظ الأشجار. أنظر إلى السماء وأتابع نجمة بدأت تقترب مني، سقطت بالقرب من شجرة، سلطت ضوءها على الشجرة، جاءني صوت ملائكي، قطع عليّ الأغنية، تذكرتُ حينها مشهد الشبح في مسرحية "هاملت" حين ظهر له أبوه المقتول على شكل شبح غامض وصامت. خفتُ، ارتبكتُ، فكرتُ بالهروب من الحديقة، جاءني الصوت مرة أخرى، تسمرت خطاي، خفق قلبي، كان الصوت هادئاً، وديعاً، آمناً، سحبتُ نفساً، وقلتُ يا الله، تقدمت باتجاه الصوت، لا أرى أحدا غير شجرة كبيرة جداً على حافة الحديقة، قريبة من ضفاف البحيرة، ظلها يرقص في الماء، صمتها الفاتن يناديني، أسمعها تناديني، إنها شجرة الصفصاف المبتهجة، مزهوة بنفسها، تفرش جدائلها، تحاول أن تعانق الشجرة بجوارها، كأنها امرأة فقدت شيئاً، تشبه شجرتي الحزينة، حضنتها وبكيت.

جلست على الأرض، قالت لي بصوت مبحوح وعينين متعبتين: "حزينة أنا وبائسة، لماذا يرميني الأطفال هنا بالكرة؟، السكارى يتبولون عليّ، يضربوني بعلب البيرة الفارعة، عشاق يرمون فضلاتهم، يبصقون ويمضون. بكينا معاً، صرتُ أزورها كل يوم، صارت ايقونتي، أجلس تحت ظلها، أقرأ، أحلم، أشرب الخمرة وأتطلع اليها، أتكلم معها، أغازلها، أرسم قلباً على جذعها، أقرأ لها الشعر. شعرت حينها بأنني قاب قوسين أو أدنى من لقاء الصفصاف.

 

غريبة الروح

غفت الشجرة، سقطت منها ورقة ندية مبلله مثل أوراق العمر، بالقرب من لوحة صغيرة مكتوب عليها: "الصفصاف شجرة غير مثمرة، لكن مضغ أوراقها مفيد، وهو علاج للألم والبرد، تحب بعضها البعض، اجتماعية، تحب الناس."

"أعاني من العطش هذا العام، الحر قاس، المطر قليل، روحي تؤلمني وأشعر بالغربة" قالت لي الشجرة. سقيتها الماء، رجعتُ إلى البيت، أجلسُ في الشرفة، تحت ظل دالية شجرة العنب التي تتسلق على الشرفة، أتطلع إليها منتظرا عنبها الذي أقطفه كل عام. سحبتُ نفساً عميقاً من سيجارتي محدقا إلى السماء أرسم بيتاً شعرياً "ولي منزل آليت ألا أبيعه، وألاّ أرى غيري له الدهر مالكا".

حنيني إلى الهناك: تاريخ وردة، حلم فراشة، عش عصفور، بكاء شجرة. هجرنا أماكننا، لكن هل نستطيع أن نحن إلى الحاضر ونحن مشدودون إلى الماضي؟! رسمتُ شجرة في ذاكرة المكان، فيها عش عصفور، وكتبتُ: الحنين إلى الحاضر حلم لا مرئي، وضعت جبيني على راحة يدي، ومضيت أنظر إلى الأرض واحلم بالحاضر. وأردد: شجرتي هي ثروتي، أغصانها تاريخي، وحنيني للحاضر. القيت تحية على تاريخ الشجرة وعرفتُ أنها شجرة الماضي.
 

إقرأ أيضا:

مواضيع النقاش

Iraq Danny 6 August 2010 - 9:06pm

كلام جدا مؤثر واثر في كنت مكتابا نوعا ما لكن بعد ماقرات هذا الكلام الجميل الذي جعل دمعي ينزل من عيني التي تكاد لم تبكي منذ فترة طويلة منذ فترة حيث قررت ان انسى الماضي كي اعيش حاضري ....

شمخي جبر 31 July 2010 - 11:34am / ??????

نص جميل .. متماسك .. متمكامل
حاولت ان اقتطع جزء منه كنموذج فلم استطع .
ولو اردت هذا لكان النص كله نموذجا..
شعرية عالية .. لغة بوح صادق
مناجاة .. كأنها أدعية مفاتيح الجنان

منى 31 July 2010 - 11:21am / ????

هذا الجزء مؤثر وجميل أكثر من الجزء الأول

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <p> <br>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

بث إذاعة هولندا العالمية

Latest news NEW

أحدث البرامج الإذاعية

برنامج الراديو
استمع
هنا أمستردام podcast itunes

Huna Amsterdam (RNW) ‏ على فيس بوك

تقارير بالصورة

رسائل يائسة من مدينة تحتضر
تقرير إذاعة هولندا العالمية / تشهد مدينة حمص السورية حصارا وقصفا بالمدافع...
تفاوت طبقي صارخ في مصر
تقرير مريم علي – إذاعة هولندا العالمية / نجح المصريون في إسقاط...

RNW - NEWS, ANALYSIS AND BACKGROUND IN 10 LANGUAGES, WORLDWIDE 24 HOURS A DAY, ON RADIO, TELEVISION AND THE INTERNET.