غزة، من سامي أبو سالم- وسط حلكة اللليل وقرع الطبول تتحرك ثلاثة أكفان متناثرة على الأرض، يتململ من فيها وكأنهم يحاولون النهوض من الموت، يصارعون "قوة خفية" تحاول شل حركتهم والابقاء عليهم تحت جمود ورثوه منذ عصور غابرة.
كان هذا المشهد الأول من مسرحية "كل شي تمام" للكاتب عاطف أبو سيف ومن اخراج حسين الأسمر، والتي يتم عرضها في هذه الأيام في مدينة غزة منذ أكثر من ثلاثة اشهر.
وتتناول المسرحية حياة المرأة تحت الاضطهاد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المجتمع الفلسطيني، هذا الاضطهاد الذي يؤديه الممثل نضال داموا مقدماً نماذجاً تمثل إرثاً ممتداً عبر العصور، فيبدل ملابسه ولغته المتخمة بالأنا الأعلى.
اكفان ضد الذكور
تطل من"الأكفان" ثلاثة وجوه لنسوة يواصلن صراعهن من أجل النهوض (من موتهن)، تُشل حركاتهن وتنخرس ألسنتهن في كل مرة يصطدمن بهذا الصوت الذكوري، في اشارة إلى ما اشبه بذكورية المجتمع الذي لا تجد فيه المرأة متسعاً لاسماع صوتها.
في لحظات اختفاء هذه القوة تنهض النسوة ليتجاذبن أطراف الألم. فهُدى، والتي لعبت دورها الممثلة إيناس السقا، هي امرأة وقعت ضحية للخلافات السياسية، باتت حبيسة للحزن بعد أن فقدت أخاها وزوجها في الاقتتال الداخلي الذي شهده قطاع غزة.
"أخوي قتل جوزي وجوزي قتل أخوي.. مش مهم مين قتل مين، النتيجة الاثنين ماتوا،، أوقف مع مين؟ جوزي ظهري وسندي وإلا أخوي لحمي ودمي؟ أوقف مع قلبي والا روحي؟"
جروج المجتمع ... والشتات
وكان عشرات الفلسطينيين قٌتلوا في الاقتتال الداخلي، بين حماس والسلطة الفلسطينية، الذي شهده قطاع غزة في حزيران 2007 وانتهى بسيطرة حماس على القطاع. وصادف أن شارك أخوة اشقاء في القتال كل منهم في فريق، واقتتل الأقارب والأصدقاء والجيران، الأمر الذي ترك جروحاً اجتماعية غائرة في المجتمع الغزي.
كذلك شخصية نغم، والتي أدت دورها الممثلة سماح الشيخ، لم تلتحق بالجامعة، لأن والدها قرر أن يزوجها من ابن اخيه المقيم في الشتات، لتختلط التقاليد بالسياسة وتكوّنا ترساً محطماً لآمالها، فيصر أبوها على أن أن زوجها(المفترض) هو الذي سيقرر ما اذا كانت ستلتحق بالجامعة أم لا. وتمضي 10 سنوات، ويفشل ابن عمها من العودة بسبب اشكالية التصريح من اسرائيل وقضية المعابر، وتفشل في تحقيق حلمها في أن تكون مهندسة مشهورة رغم تفوقها الدراسي.
أما الشخصية الثالثة فهي سها، وقامت بدورها الفنانة مي زيدان، تختلف عنهن، تظهر بمظهر المرأة القوية التي تحدت-إلى حد ما- عادات بالية، فهي الفتاة الجامعية المقبلة على الحياة تمارس الدبكة الشعبية، ولم تلتفت لأولاد عمها الذين يصفونها بـ"الخربانة. تدعو سها زميلاتها لعدم الرضوخ، معتقدة أن المشكلة تكمن أحياناً في المرأة نفسها لا في المجتمع لأنها "لا تحب المواجهة".
تعدد السلطة ووحدة جوهرها
تتعدد الاشكاليات لكن المصير واحد، وهنا يوحد المخرج حسين الأسمر بينهن بأكثر من وجه، فيتوحدن في الصراع للخروج من الكفن بـ"رقصة الحياة"، وكذلك في لباسهن، فكل منهن ارتدت ملابس رثة من الخيش مفعم بالرقع وأحذية بدت وكأنها مُقتطعة من لباسهن.
"القوة الخفية" كما وصفها الكاتب أبو سيف، جسدها الممثل نضال دامو، تظهر بأشكال متعددة لكن جوهرها التسلطي واحد، ففي الشخصية الأولى يظهر الرجل "العصري" ليعلن ملكوته للمجتمع ومن فيه: "كل شيء ملكي... مش متأكد انو فيه مخلوق على وجه البسيطة يتمنى زوالي... وجودي مصلحة للجميع وبقائي نعمة".
وفي الثانية يأتي، بطربوشه الأحمر حاملاً سوط في يده- مستحضراً النظام الاقطاعي- يستعرض جبروته ويفخر بأنه مصدر الرزق للعبيد الذين يكدحون لخدمته "أنا سيد نعمتهم وصاحب لقمتهم، عمالي وعبيدي... يكفي إني مانحهم مصدر الحياة... وأنا موجود فش حدا بيفكر، أنا بأفكر عنهم."
استدعاء القديم الغابر
أما في الشخصية الثالثة بالعمامة والعباءة الصفراء، فيجسد العهد الاسلامي، وكأن الكاتب هنا يجلد أولئك الذين ما زالوا يعيشون على أحلام وأمجاد صلاح الدين والنهضة الحضارية الاسلامية في القرون الوسطى، تعويضاً عن غياب أي تطور حقيقي على أرض الواقع الحالي.
"مجدي لا حدود له، وليس صحيحاً أن نوره خفت.... من يقول ذلك ينكر التاريخ، لا يعرف كم كان نوري ساطعاً... أنا المجد الذي بنيتم عليه عالمكم.. ولا وجود لكم إلا بوجودي".
ثوب جديد للقوة المتسلطة هو رجل الأمن الذي لا يفهم سوى لغة القوة واصدار الأوامر غير القابلة للنقاش. فيطل ضابط ببزة عسكرية وفي يده هراوة يحذر ويتوعد من يخالف أوامره، لاغيا كل محاولات الاحتجاج والتمرد والحديث عن الحقوق.
"أنا اللي بقرر كل شي... المرأة زمردة التاج الذي أتزين به... لكن مش هي اللي تقوللي شو حقها. أنا بأقرر اذا هادا صح أو غلط. أما أن ينجروا وراء أجندات خارجية فهذا ممنووووووع".
تصل المسرحية ذروتها عندما تطل هذه القوة الخفية على شكل عفريت، يفاجئ الجمهور بزيه الأبيض وعباءته السوداء عندما يقتحم قاعة المسرح من المدخل الرئيس حاملاُ بيده كشاف مطلقاً ضحكات هستيرية، يتمشى بين النظارة مسلطاً الضوء على وجوههم.
يقفز نحو خشبة المسرح، لكن يبدو أنه جاء متأخراً، فالنساء قررن المواجهة، يكشف عن نفسه لهدى: "أنا أخوكي اللي قتل زوجك وزوجك اللي طخ أخوكي"، ولنغم: أنا ابن عمك اللي مش راح ييجي، ولسها: انا كرباج أولاد عمك..... "أنا الممنوع، أنا الخوف، أنا الكابوس، أنا الحلم المكسر..."
تتحد النسوة ليكتشفن أنه "زيف ووهم وخداع، فينهار"، لينتهي، وتنهض كل منهن بروحها نحو الحياة، لتنتهي المسرحية بأغنية "غني لبكرة"، التي يحلقن فيها في سماء الأمل وحياة جديرة بالصراع من أجلها، حتى وإن كانت في غزة.
ديكتاتورية الذكور
وقال المخرج حسين الأسمر، لإذاعة هولندا العالمية، إن المسرحية تتناول قضية العنف ضد المرأة والمشاكل التي تتعرض لها بسبب التناقض المجتمعي بين الذكر والانثى، وبسبب الدكتاتورية الذكورية التي تنعكس على حياة المرأة في شتى المجالت.
لم ينسلخ العمل كثيراً عن الواقع الغزي المر، فالقصص التي عالجها العمل كانت مستوحاة من وقائع مرت بها المرأة الغزية، وتقول الممثلة إيناس السقا: "الدور الذي قمت به، دور المرأة التي فقدت زوجها وأخاها لم يكن فنتازيا، بل كان واقعاً عاشته غزة في ظل الاقتتال الداخلي، وهناك نسوة فقدن أقرب المقربين لهن من الطرفين."
ولعبت الاضاءة والظلال جزءاً لا يتجزأ من العمل المسرحي، ، فالستارة البيضاء دار خلفها حوارات (flash back)، رافقها الموسيقى وأداء الممثلين المكثف بخطاهم المتثاقلة أحياناً والخفيفة أحياناً أخرى، ليقدموا عملاً كان من الممكن أن يكون أفضل "رغم جودته" لو توفرت الامكانيات على حد قول رسمي دامو، مدير عام "جمعية "فكرة للفنون التربوية" منتجة المسرحية.
صعوبات ... و حصار
وكشف دامو، المشرف الدرامي للعمل، أن انتاج العمل واجه صعوبات على الصعيد التقني، فما تم انتاجه كان بأدنى ما هو مطلوب بسبب شح المعدات بفعل الحصار الاسرائيلي المفروض على القطاع.
"حتى على صعيد المسرح، فخشبة المسرح التي نفذنا عليها أنشطة من هذا القبيل دُمرت في الحرب الاسرائيلية الأخيرة على القطاع، واضطررنا لاستئجار مسرح صغير واستعنا بعمال بناء لتوسيعه."























علِّق