من أمستردام صالح حسن فارس* (إلى سميرة التي أحتمت بالجدار فهوى عليها وتوارت هناك بعيدا.)
بغداد تربكني دائما قبل وبعد الوصول. زرتُ العراق خمس مرات. مرة واحدة فقط استطعت أن أدون جزءاً من الحكاية. بغداد تربكني دائما قبل وبعد الوصول. حين تصل بغداد تجدها كأنها كتاب كبير مفتوح لا يمكن قراءته بسهولة. لكن هذه المرة أحاول جاهداً أن افتح هذا الكتاب. الحزن أمسى الوجه الآخر للمدينة. بغداد المعلقة بين حيرتين، حزنين، ضفتين، رصافة وكرخ، طائفتين، مقبرتين، خسارتين، قسوتين، زمنين أو تاريخين. بغداد مدينة العجائب والمتناقضات، حب وخيانة، فقر وثراء، جوامع وحانات، حجاب، وخلاعة، سيارات فارهة وسيارات مفخخة، مطاعم فخمة، وشحاذون على الأرصفة. هذه هي زيارتي الخامسة إلى بغداد، منذ أن غادرتها قبل خمسة عشر عاماً، أعود إليها وكأني لم أفارقها أبداً، أتجول فيها وكأني أراها لأول مرة. في كل زيارة يراودني هذا الإحساس. وعند كل وداع أقول لنفسي لن أعود إليها مرة أخرى.
إنه الخريف.. 2009
الأوراق الصفراء تسقط على الأرض وتغطي الأرصفة والشوارع. من اللحظة الأولى لوصولي إلى بغداد صباحاً، استنشق هواء مختلفاً، اكتشفت أن حواسي قد تغيرت، تذوقت أشياء جديدة، الجو ليس باردا، وبدأت اشعر بالراحة بعد رحلة طويلة دامت أكثر من خمس ساعات. الغبار ولونه الترابي يغطي وجه المدينة، الأبنية ، السيارات ،الملابس والناس.
إنه الخريف وفي خريف بغداد لا تسقط أوراق الأشجار فقط. الأوراق تسقط وجدران المباني.. والضحايا أيضاً. تطير الضحايا في الصباح إلى السماء، وفي المساء يخيم صمت المؤامرة لُنتتج اللون الأحمر الذي يصبغ وجه المدينة في اليوم التالي. رأيتُ بغداد تلملم شظاياها من جديد في كل مرة وتخيط جرحها. انفجار في الضفة الأخرى من المدينة يحرق ضحكتها، صراخ، عويل وموتى يأتي الصوت من بعيد، المدينة تنهض من جديد في اليوم التالي ترتدي حلتها، لا تعرف ماذا يخبئ لها اليوم التالي! هل ثمة انفجار آخر ينتظرها؟
شتاء 2008.. حلم من وسط الرماد
مرحى أيها الحب وسط الرماد والحرب، الريح المغبرة تلاعب شعرها، ويفوح عطر أنفاسها، وقعت عيناي عليها، وهي ترسل لي ابتسامة فيها خجل الطفولة ومشاكسة المراهقين، تملك وجه نبي وقلب زهرة، وروحا ندية غارقة في أسئلة وجودية. حدثتها عن نفسي قليلا وعن مسرحيتي التي أزمع أن أقدمها على خشبة المسرح الوطني بعد أسبوع. دعوتها ولبت الدعوة، وبعد نهاية العرض احتسينا الشاي مع خجل الطفولة، مشينا في شوارع بغداد المتربة، وعيون وفضول المارة الفضوليين تشاكسنا، وتكاد تفسد علينا متعة اللقاء الأول. كانت تنورتها الحمراء تكشف عن ساقييها البضتين، غنج يرتسم على العيون، يا له من حلم أن تخرج بامرأة من وسط الرماد والفوضى. كلمات طرية، ولمعان قلادة ذهبية على صدرها تعكسها أشعة الشمس البغدادية، وصمت دفعنا لإحصاء أعمدة شوارع الكرادة ولافتات النعي. كان هذا في الزيارة السابقة شتاء 2008. مرّ عام وأنا أنتظر لقاءها، وحين وصلت هذه المرة قلت لبغداد: شكرا لك أن تمنحيني امرأة كالحلم وسط الرماد لتتحول حياتي ربيعا دائما.
انفجار دمعة كبيرة
إنه ثلاثاء سيسمونه لاحقاً الثلاثاء الدامي.. مع صياح الديك وبزوغ الفجر خرجت سميرة من الحمام بابتسامة رقيقة، الكل نيام، ارتدت حليتها الذهبية، ملابسها الأنيقة، قبعة من الصوف، بنطلون جينز، وجاكيت بني اللون، وحذاءها القصير. وقفت أمام المرآة طويلا، وضعت عدسات عيونها الملونة، خرجت بكامل أناقتها كأنها على موعد غرامي، مشت على أطراف أصابعها لئلا توقظ النائمين، غادرت مبكراً كالعادة.. لم تودع أحدا في البيت، صعدت المهندسة سميرة السيارة باتجاه عملها في وزارة المالية. من نافذة السيارة تستمع بالفجر وكأنها تتهيأ للوداع.
أخذت مكانها خلف مكتبها البسيط والأنيق بجانب الجدار. ترتشف الشاي، أمام جهاز الكومبيوتر، تنظر إلى الخاتم في إصبعها، تتأمل النافذة المجاورة، تستعيد وقائع قصتها العاطفية المدهشة، تعدُ الأيام القليلة المتبقية على ليلة زفافها من الحبيب........... دوي انفجار قطع عليها سلسلة أفكارها وأحلامها، ضاق بها المكان، هربت صوب الجدار فهوى عليها، طارت قبعتها، قلادتها وضحكتها إلى السماء.
حدثت تلك الفاجعة قبل أسبوعين من موعد تقديم مسرحيتي. كانت سميرة مدعوة لحضور العرض بصحبة شقيقتها.. خطيبتي.
كانت المسرحية (اشتعال- انطفاء) تتخذ الفقدان والدموع والموت موضوعا لها. كأن العرض كان جواباً على أسئلة كثيرة يثيرها الموت. أهديتُ العرض إلى روحها: "إلى روح "سميرة عبد الانيس" التي لم أرها، ولم تتمكن من حضور هذا العرض المسرحي، كان الإرهاب أسرع، تشظى جسدها في شارع الجمهورية قبل أسبوعين فقط من موعد العرض، روحها ترفرف اليوم بينكم كما ترفرف هنا على الخشبة." انتهى العرض وانفجرت دمعة كبيرة بحجم حلم سميرة.
الوداع:
طبعت قبلة خجولة على جبيني وقالت: "ماذا عليك أن تفعل حين تترك البلاد"؟ سأودعك ومن ثم أودع بغداد.
أجلس في التاكسي وأنا في طريقي للمطار أستعيد الزيارة الخامسة للعراق. ودعتها وصورتها في خيالي، لا أعرف ماذا تخبئ لنا الأيام ؟ وداعاً وربما إلى الأبد! هكذا أقول دائما حين أغادر العراق، لن أعود إليك مرة ثانية. في كل زيارة تنتظرك مفاجأة، موت، خطف، اعتقال، وفي هذه الزيارة الخامسة ماتت سميرة. ودعتُ حبيبتي وأنا قلق عليها من اليوم التالي. أعطيتها رواية "وقت للحب.. وقت للحرب" ومضيت.
• صالح حسن فارس فنان مسرحي عراقي مقيم في أمستردام.. والصورة من إحدى مسرحياته
استمع أو حمـّل الملف الصوتي للمقال:































بغداد الشعراء والصور
وذهب الزمان وضوئه العطر
ياالف ليلة يا مكملة الاعراس
تغسل وجهك القمر
اخي وحبيبي صالح العزيز ذكرتني بااختي سميره انيس لقد ادميتني والله لااعرف كيفه اعزيك وكيفه اصل واقدم لك تعازي وانا اخ لااخي سعد انيس شقيق سميره وشقيق خطيبتك اختي الفاضلة وانا قدمت التعازي لااخي سعد واقدمها لكم اخي صالح . صدقني بلاامس القريب فقدت يدي وبعدها اخي واليوم اختي سميره وغدا لااعلم لقد صبت دموعي على مصائبنا والالم والاحزان التصقت بينا رغم المسافات عن الوطن الام ولك الصبر وبااذن الله خاتمت الاحزان
علِّق