رأي: طالب ك إبراهيم/ صحيح أن الأزمة الآن في سوريا صراع بين طرفين رئيسيين، النظام وهمجيته والشعب وتلاوينه، لكن إطالة عمر الصراع أدى إلى انكشاف لون سوريا الداخلي وتقلباته، أدى إلى معرفة النسيج الأساسي للنظام، وأعاد تشكيل وحدته في إطار تناقضات المجتمع السوري، لكن الإطالة ذاتها أفرزت انقساماً مجتمعياً علقت فيه الطوائف والاثنيات، لذلك يغدو من الضرورة كشف أي حالة سياسية أو طائفية أو قومية شوفينية تؤثر سلباً على جدوى التغيير في سياق تفعيل الدور الأخلاقي إضافة إلى السياسي في صفوف الثورة.
مكونات متغيرة
الآن كل المكونات تتصارع في الداخل،كل الآراء مطروحة على بساط التغيير، الأوسمة الوطنية توزع على قارعة الطريق بدون شواهد. لا جدوى من الاختباء، وإن كان ثمة عقوبة شديدة لمن يريد البحث في أخطاء العمل الثوري، لكن أعتقد أن انكفاء وجهات النظر يعيق تطور الحركة ويؤخر فتح نوافذ الضوء.
لعلها اللحظة الأكثر تعبيراً في سوريا الآن عن سوريا الحقيقية وطناً وشعباً وجغرافية سياسية.
الطوائف السورية على تنوعها تشارك في الحركة من منابر مختلفة، يدخل مصطلح الأقليات والأكثرية فيه ليعيد إلى الذاكرة تاريخ حافل بالصراع بين مكونات الجغرافية الواحدة.
الحالة المتنوعة للساحة السورية تثير تعقيدات تصويب ممارسة سياسية و ثقافية للطوائف بلا طائفية، خاصة في ظل غياب مكاشفة واضحة للممارسات الطائفية بغض النظر عن الجهة التي تصدرها، ذلك ما وجه أصابع الاتهام في الدرجة الأولى إلى نظام صرف عمره في تطويف المجتمع المتنوع، وأدان في نفس الوقت إلى ظهور تجمعات طائفية خارج سياق مجموعات النظام ذاته،" وإن كان وجودها مرتبط حتماً بإرادة وجودها حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية ناهيك عن غيرها الديكتاتوري في المنطقة وفي العالم"، مما أثار تعقيدات وتخوفات الداخل السوري المتنوع للتغيير بغض النظر عن ضرورته.
القوميات المتعددة تعيد صياغة شرعية وجودها وشرعية وجود الآخرين، وتتنافس فيها الأيديولوجيات ذات الكثافة الشوفينية الأعلى.
رايات ملونة
أكثر النظريات حداثة برداء غربي التفاصيل إلى جانب أكثرها قدماً برداء إسلامي تاريخي ورايات سوداء. أكثرها "تقدمية" يريدها شباب ضاع عندهم انتماؤهم الطائفي أو القومي في عباءة التغيير المدني للسلطة والمجتمع، إلى جانب أكثرها " رجعية" يريدها أيضاً شباب ضاع عندهم مستقبل الوطن والشعب في ماض تعيد خلق تحولاته ومصالحه إدارة مقيمة سلفية لنظام طائفي وإدارة إقليمية ودولية في المقلب الآخر لا يقل عنها النظام مرونة في استخدام السلفية لملء مسرح الحركة بموجبات قوتها.
الكتل السياسية القديمة تعيد مسرحة تمثيلها وفق الحالة الثورية وتحت ذات العناوين السابقة للثورة.
تظهر هيئة التنسيق الوطنية كتعبير أساسي عن القديم بإدارة ديكتاتورية يتمحور عملها حول شخصية خارجية وأخرى داخلية، تعيد للأذهان حضور معارضة عملت بالخفاء في ظل نظام ديكتاتوري نقل لها طرق تنظيم الديكتاتورية في كنف المعارضات المتوارثة.
الكتل السياسية الجديدة تحاول إزالة القديمة بشعارات ملونة ديمقراطية وسلوكيات إقصائية.وكتعبير أساسي عنها يظهر المجلس الوطني الانتقالي بإدارة حركة الإخوان المسلمين وسلوك إقصائي واضح، لا يغطيه الرداء العصري والتلونات النظرية ذات السمات المدنية التي يفرزها سياسيوه عندما تستدعي الحالة.
كتلة سياسية كردية جامعة للمكون الكردي تحت مسمى كردي واضح تدخل في عملية تصور لمستقبل سوريا الكردي لا الوطني وإن خرج بعضاً عليها..
ثقافة نخبوية
ولادات متعثرة لاتحادات ثقافية نخبوية، يتواصل فيها ما انقطع من تفاصيل مجتمع مدني،"لم يسمح نظام ديكتاتوري طائفي ريفي له بالمرور إلا عبر فوهة فروعه الأمنية"، واستقبال شعبي فاتر لها في ظل تزايد مخاوف من تصيد الحالة الثورية أو من تهافت وجوه وطرائق تبديل لم يألفها الجمهور السوري المتوتر.
خشية نسبة كبيرة من الطوائف والقوميات وكل لأسبابه الخاصة، من السلطة إذا استمرت، ومن البديل إذا استلم، يضاف إليها الخشية من التغيير بإدارة غربية ووفق برامج الأمم الفاعلة.
يحضر التغيير باعتباره الفعل الجوهري بغض النظر عن عواقبه عند بعض المعارضة، في حين تحضر العواقب عند طرف آخر منها، وتكون بمثابة تأخير الجوهري لمصلحة الانتقالي.
الخلاف هذا يتكاثر في عملية دراسة الكثير من التفاصيل رغم العناوين العريضة التي تجمع كل المعارضات بمشاربها المعيقة والميسرة، وإن كان ثمة مصلحة كبيرة للنظام ذاته من هذا الخلاف أيضاً ثمة مصلحة هائلة للأمم الفاعلة أيضاً فيه.
وفي ظل الحديث عن الأمم الفاعلة تدخل العلاقات الدولية إلى معبر التغيير مشوبة بالكثير من تفاصيل الانتهازية والمداورة والتقلب.
تحولات الساحة السورية ورصد متغيراتها يمر حتماً بجملة المبادرات العربية والدولية المطروحة، وكلها بلا استثناء تمنح النظام والتغيير مزيداً من الوقت إلى حين تبلور معارضة أو مصلحة أو إعجاز.




















