"يجب على الحكومات الأوروبية عدم التراجع عن الاتفاقات المبرمة". كانت هذه كلمة رئيس الوزراء الهولندي مارك روتا قبل خمسة أشهر، حيث لقن هو ونظيره يان كيس دي ياخر وزير المالية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي درسا في الانضباط المالي. فلا عجب الآن أن أوروبا تشعر بالغبطة للأزمة السياسية في هولندا.
وقد دعت هولندا في وقت لاحق إلى الانضباط التام للميزانية وتعيين مفوض سامي يراقب انضباط الدول الأعضاء، وهددت باتخاذ مواقف صارمة ضد الدول المخالفة وفرض غرامات عليها.
لكن السؤال المطروح الآن هو أن هولندا نفسها لن تحقق الشروط المفروضة من طرف بروكسل والمتمثلة في أن لا يتجاوز العجز في الميزانية عام 2013 أكثر من 3 في المائة. وأظهرت الاجتماعات الماراتونية التي دامت 7 أسابيع وراء أبواب مغلقة حول حزمة إجراءات التقشف فشلها الذريع. ويبقى من المستبعد جدا أن تكون لحكومة روتا القدرة على تمرير مشروع الميزانية في ضوء فقدانها للأغلبية في مجلس النواب.
تميزت تدخلات روتا ووزير ماليته خلال الاجتماعات الأوروبية بالجدية والاحترافية. لكن الرجل القوي في حزب الحرية خيرت فيلدرز الذي يساند الحكومة ما فتئ يطلق العنان لسيل من الشتائم. وكان النصيب الأكبر من هذه الإهانات من نصيب اليونان حيث أطلق على اليونانيين وصف الكسالى وآكلي الغلة. الأوروبيون لم ينسوا هذه الإهانات ويستمتعون بالوضع الذي وصلته الحكومة الهولندية.
الوضع مأساوي جدا حيث يجب أن تتوصل المفوضية الأوروبية قبل 30 أبريل من دول الاتحاد الأوروبي ال 27 بميزانية العام المقبل. هذه الميزانية يجب أن تلبي المعايير المتفق عليها والتي يبقى من المستحيل بالنسبة لهولندا تقديم ميزانية تحضى بأغلبية برلمانية في 8 أيام. وعلاوة على ذلك، فقد دعت هولندا نفسها إلى فرض غرامات على الدول التي لا تستوفي للشروط وأصبحت الآن مهددة بغرامة 1 مليار يورو.
السيناريو المحتمل هو أن هولندا لن تستطيع الاتفاق على الميزانية قبل 30 أبريل، الموعد النهائي الذي حددته المفوضية الأوروبية. وعلاوة على ذلك، فإن بروكسل تخشى من أن دول أخرى قد تطالب بالتأجيل نظرا للأوضاع الداخلية الصعبة وهذا قد يعثر اتفاق الميزانية وخلق تشويش في منطقة اليورو.
غيوم داكنة
يشكل سقوط الحكومة الهولندية سلسلة واحدة من الأزمات في حكومات أوروبية أخرى. وتعثرت تسع حكومات في العامين الماضيين يسبب التدابير اللازمة لتلبية انضباط الميزانية الذي تفرضه بروكسل. تعتبر هولندا البلد العاشر في هذه القائمة و الحكومة في جمهورية التشيك قد تسقط في أي لحظة.
الغيوم الداكنة لم تغب بعد عن سماء أوروبا وتصويت الفرنسيين لحساب الاشتراكي فرانسوا هولاند في الانتخابات التي ستجرى في الأسبوعين القادمين قد تزيد الأمور تعقيدا بسبب تصريحاته بالحد من تحكم بروكسل في الميزانية الوطنية. وفي هولندا، شمر زعيم خيرت فيلدرز حزب الحرية عن ساعديه وأعلن أن حملته الانتخابية تستهدف على وجه التحديد صلاحيات بروكسل.وأفصح أن حملته الانتخابية ستكون تحت شعار: "ضد الاتحاد الأوروبي، ضد اليورو وضد 3٪ كنسبة عجز في الميزانية".


























