رأي: طالب ك إبراهيم/ منذ اللحظة الأولى للثورة السورية وجه النظام السوري اتهامه الطائفي ووصف المتظاهرين بالطائفيين، وتناوبت الاتهامات تلك مع تصاعد عمليات التصفية والاعتقال و التهجير.
الاتهام ذاك كان محاولة من النظام لجعل الأقليات الطائفية تلتف حوله، مثلما هو محاولة اصطياد التفاف المجتمع الغربي أيضاً.
تأتي الرؤية السياسية المتأخرة لحركة الإخوان المسلمين" الميثاق" كمحاولة لتطمين الأقليات الطائفية والاثنية، برنامجاً يراد منه إنقاذ ما تبقى من الثورة السورية وفي نفس الوقت تطمين الغرب الغائب عن الفعل حتى الآن، عبر تشميل احترام المواثيق والعقود والالتزامات الدولية والعربية والإقليمية، وتحديد مفهوم لسوريا القادمة "المدنية" كما ترتئيها الأقليات السياسية الأخرى. هذه الأقليات السياسية التي رفضهم الإخوان المسلمون و رفضوا مشروع عملي سياسي جامع معهم، فكيف يمكن للميثاق النظري السابق ذاته أن يكون مفتاحاً للعمل مع من رفضهم الإخوان ذاتهم؟!
رفض انشاء معارضة جامعة تحت ذرائع مختلفة تغطيها غالباً رغبة داخلية للإخوان المسلمين باستفراد الساحة الثورية والسياسية الداخلية منها، و الخارجية.
إذن الميثاق السابق كان أحد العتبات الجديدة للاعتراف بالإخوان المسلمين كبديل مقنع قبل أن يكون بوابة نحو سوريا المستقبل ..
لنحاول أن نعيد صياغة المسألة كما تبدو في المشهد العام:
فقدت الثورة السورية حتى الآن الكثير من زخمها السلمي مع فقدها قادة ميدانيين حقيقيين عبر تصفية النظام لهم أو عبر اعتقالهم وتهديدهم أو عبر مطاردتهم وهروبهم خارج البلاد.. وساهم عجز المعارضات السورية عن إنتاج بديل يرقى إلى مستوى سوريا كبلد وكيان وفسيفساء وتاريخ، كان ذلك بحد ذاته دافعاً لسيطرة الإسلام الراديكالي على تفاصيل الحراك نسبياً، يظهر ذلك جلياً في أكثر من ساحة اشتهرت بزخم حراكها السلمي وتراجعه لمصلحة المسلح الآن.
تدخلات النظام في صناعة سياسة الإقليم أو تحديد بعض من مساراتها،علامات نفوذ للنظام في إقليمه عادت لنبضها، وبتسارع بطئ، لكنها تختلف عما كانت عليه سابقاً، من حيث أنها كانت خروج سياسة النظام إلى محيطه أما الآن فهي عودتها .
القلق الإسرائيلي على حدود آمنه قد يساهم إلى حد ما في انكفاء الزحف الغربي إلى المتسع السوري، مع الأخذ بعين الاعتبار تناقضات الساسة الإسرائيليين في وصف ذلك.
تساهم أيضاً مشكلة كردية محفوفة المخاطر و متفاقمة في وقف المد التركي أو في تحديد مفهوم أكثر عقلانية لعض الأصابع.
تداخل مجتمعي كثيف للطوائف كافة في شبكة جغرافية معقدة يستحيل معها خلق جغرافيات مستقلة للطوائف خارج خارطة سوريا المعروفة وإن كثرت التكهنات بخصوص ذلك.
ماذا يعني تسليح الجيش الحر؟ ماذا يعني تسليح فصيل يتفق الجميع على أنه من الطائفة السنية؟
هل يعني ذلك أن التسليح بحد ذاته يأتي إعلاناً عن بدء الحرب الأهلية تحت عناوين مختلفة..!
حسب مفهوم النظام، التهديد بحرب طائفية في سوريا أو الحديث عنها هو بحد ذاته مدعاة للمجتمع الدولي بضرورة المحافظة عليه؟ و لقد أثبت النظام أكثر من مرة أنه سيد الطائفية وليس مجرد طرف فيها.
لكن تسليح الجيش الحر هو النقيض عن ذلك وهو بصريح العبارة، فتح بوابة الحرب الأهلية لتكون نافذة للتدخل العسكري يتشابه مع السيناريو الليبي من حيث النتيجة ويختلف عنه من حيث المقدمات.
الطائفية ليست منتوج النظام فقط ولكن بانسحاب معارضات من الصراع وبتحييد الفاعلين المدنيين والوجه المشرق للتغيير، ومصادرة الثورة تحت عناوين إسلامية راديكالية، أفرز معارضة تعمل على تحويل الحراك الوطني الداخلي إلى صراع طائفي يكون معبراً لها ولمشروعها، يدخل تحت نفس الباب مشروع التقسيم، والذي هدد به النظام أولاً، بتكراره الممل عن استهداف سوريا شعباً وأرضاً، لكن شاركته معارضة طائفية برفضها الاعتراف بقوته خارج طائفيته، والتأكيد على هذه القوة في حدود طائفته جغرافياً، هذه الحدود الموصوفة في عقلية الطائفيين فقط، وليست على الأرض السورية.
سلبيات المعارضة السورية وشرذمتها، يقودان حتماً لنتيجة مفادها عدم أهليتها لقيادة المرحلة وبالتالي نحو تحجيم الثورة "المستحيلة" و وترويض مطالبها، و مساعدة النظام في تسيير مهام اللحظة الأخيرة و في تحديد آفاق أخرى للتفاوض، وانكسار للثوار وللتغيير ولسوريا المستقبل.
سوريا الآن بين مفصلين أساسيين، يحدد مسارهما نمطان من التفكير:
نظام يفكر بوجوب المحافظة على نفسه أياً تكن الخسائر، ونموذج رديء من معارضة تفكر بوجوب إسقاط النظام أياً تكن العواقب.. بين المسارين تتهاوى سوريا الآن..


























