رأي: وليد خليفة*/ للمرة الأولى يصل الامتحان الكردي الصعب ـــــ بحكم الأقدار ــــ إلى الجزء السوري من جغرافيتهم، بعد أن صال وجال في أجزاء كردستان الأخرى " تركيا والعراق وإيران " ، ها هم أكراد سوريا يقفون تحت مجاهر العالم إلى جانب وقوفهم المزمن تحت سيوف وخناجر شركائهم في الجغرافية والدولة التي لم تكن دولة في يوم من الأيام .
أكراد سوريا بملايينهم ، يقفون أمام أكثر الامتحانات صعوبة ، فإلى جانب يُتمهم الأبدي كقدر تشارك به الأكراد في الجغرافيات التي تقاسمت دمائهم، ثمة شعور مضاعف بيتم كردي سوري من الآباء في تركيا والعراق، الأخوة القساة الذين فرضوا أبوتهم بحكم قسوة الحياة والجغرافيا والأقدار السيئة، ثمة شعور كردي سوري بالفقدان وخاصة أنه اعتاد على هذا الاحتضان والهدهدة والسير وفق .. حسب ومن قبل الأخ الأكبر في العراق والأخ الشقي في جبال أرارات وجودي.
منذ أشهر تسع يعاني الكردي السوري من حيرة التردد والقلق، أول مصادر تلك المشاعر، أداء شريكه السوري الذي طالما تعامل معه بطريقة الصدمة التي لا تؤدي إلى الحياة، يصطدم به في الذهاب والإياب، فما زال رموز المجتمع السياسي المعارض ينظرون إليه بأنه وافد أو نافلة من نوافل القول المشاع ، يريدونه أن يكون عربيا مع وقف التنفيذ وليس هذا وفقط يريدون منه أن لا يكون شيئا سوى ناطقا باسم العروبة أو بوابا لها يحرس مشاعرها وأحاسيسها الجياشة، ذاك غليون " رئيس المجلس الوطني " يصرح بأن حالهم مثل حال المسلمين في فرنسا، فيما تسعى الجبهة الأخرى من المعارضة
هيئة قوى التغيير الوطني الديمقراطي " إلى إبعاد صقورها "حسن عبد العظيم وميشيل كيلو " حين الحديث عن الكرد ، لعلةٍ لا يصلحها الزمن ، فيما يختار المجلس الوطني بوابيها من الكرد الفاقدين لأي حضور على طريقة النظام ذاتها .
يستقبل الأكراد أول ثورة شعبية في تاريخ سوريا ويدهم في حيرة هل تُمد إلى القلب أم إلى الشركاء في الوطن ؟ فمن جهة القلب ينقسم الكرد السوريون إلى ثلاث أولهم يتوجع بحكم أبدية الحلم السوري في داخله فينظر إلى المشهد وقد غطى التراب التركي والقطري بغمامة وعمامة عمياء تمنح لمستقبل سوريا لونا لا يختلف كثيرا عن ما مضى من حيث درجة الاستبداد والتهميش وممارسة الإلغاء ، ثانيهم وهو مدمن لربط الوجود الكردي في سوريا بنظيره في تركيا ولأن المستقبل السوري لا بد أن يمر عبر اسنطبول حيث مصدر الفرمانات الأبدية بحق الكرد فإن خيار هذا الطرف وجع وتوجس ورغبة خفية في إبقاء الوضع على حاله أفضل من حلٍ تمتد من خلاله اليد التركية الدموية إلى ما تبقى من حلم المواطنة السورية، الثالث لا يختلف عن الثاني والأول كثيرا إلا إنه مدمن كردستان العراق فالحل هو ما يأتي من هناك وخاصة بعد أن حقق الكرد هناك أول الخطوات نحو إيجاد وطن كردي مستقر بعلاته، ولأن النظام في سوريا وبحكم تركيبته الطائفية والارتزاقية قدّم الدعم لأكراد العراق في حقبة الظلام " الصدّامي " ، فإن الوفاء والذي هو من شيم الكرد حسب المفهوم التقليدي فإن الواجب يستلزم رد الدين للنظام السوري، وأقله الوقوف على الحياد في لحظة انهيار النظام وعدم ترك الحبل على الغارب لما يخطط لهذا النظام من مآلات أصبحت معروفة .
بين هذا وذاك يتبلور أكثر من مشروع كردي في سوريا ، أبرزهم هو ما يظهر في يوميات الثورة منذ البداية ، من خلال مشاركات شباب الكرد في التظاهرات المطالبة بإسقاط النظام لكنه يفقد يوما بعد يوم زخمه لأسباب منها إنه خارج إطار التنظيمات السياسية الكردية وأن معظم المعارضة السورية تقوم بتهميش هذا المشروع على الأقل إعلاميا بحكم تخوفات إيديولوجية وتصورات مسبقة عن الحراك الكردي في سوريا وأوامر خارجية لها علاقة بالأجندة التركية القطرية، مشروع آخر سياسي قلق يتمظهر في المجلس الوطني الكردي الذي لا يستطيع التخلص من آثار البيض الإيديولوجي والارتهان للأخ الكردي الأكبر في أجزاء كردستان الأخرى " تركيا والعراق " ورد الدين للنظام السوري ب" معروفه " على المقاومة الكردية في أجزاء كردستان !! فيما يأخذ طرف آخر أقصى التجاوز الأخلاقي للثورة السورية ومستقبل الكرد في سوريا حين يضع كل بيضه في سلة النظام الآيلة للتحطم وهي وإن كانت لا تتعدى في جانبها العملي من كانوا يسمون " جحوش = جمع جحش" النظام السوري ــ وهي التسمية الكردية للشبيحة، إلا إنها تحمل مخاطرها مثلما تحمل جماعات الشبيحة وانتماءاتها الطائفية من مخاطر على مناطق سورية !
نصبح والحال هذه وفي ظل المخاطر المحدقة بسورية عامة أمام حالة كردية تعاني قلقا مزدوجا أولها تأتي من داخل الحالة السورية نفسها بشقيها الكردي والسوري، فمن الشق الكردي وهو ما ذهبنا إليه من ارتهان للموقف الكردي على صعيد الأحزاب التقليدية لما وراء الحدود وهي حالة سورية عامة سنعود إليها في مقال منفصل، وفي الشق السوري حيث يُنظر بريبة إلى كل تصرف يقوم به الكرد ولا يتردد جل المعارضين السوريين إلى التشكيك بنوايا الكرد في مستقبل سوريا وكأن على الكرد و في كل لحظة إثبات حسن النوايا دون أن يكلف الشريك العربي من تقديم أي ضمانات تؤدي إلى إزالة قلق الكرد من مستقبل وجودهم في أرضهم بعد كل سنوات التعريب والتهجير القسري والتهميش و... ثاني مصادر القلق هو خارجي يتأتى من موقع سوريا الجغرافي وما يتحتم عليه من دور تركي في رسم مستقبل سوريا، هذا الدور الذي لم ولن يكون بأي حال لصالح أكراد سوريا إلا إذا تحققت معجزة الحلم السوري واستطاع السوريون إقامة دولة الحريات والديمقراطية والقوانين المدنية والمواطنة .
*كاتب سوري مقيم في فرنسا

























