عرض: رحاب شاكر/ ليس غريبًا أن يلقى كتاب تجري أحداثه في إندونيسيا صدىً عند القراء في هولندا، فلقد كانت إندونيسيا مستعمرة هولندية لبضعة قرون و لم تتحرر إلا بعد الحرب العالمية الثانية. أما أن يحظى الكتاب خلال شهرين بطبعة خامسة، فهذا برأيي لا علاقة له بالصلة الوطيدة بين البلدين. السر يكمن في عنوان الكتاب: "جهاد بالفلفل" لكاتبته "ستيب فاسين". بالرغم من أن الكاتبة تريد أن تعبر في كتابها عن جهادها الشخصي إلا أن الأمر لا يخلو من حنكة تجارية تستخدم كلمة مشحونة بدلالات العنف والخوف من الإسلام في ذهن المستهلك الهولندي.
أما "الفلفل" في العنوان فيشير إلى الفلفل الذي يستخدم بكثرة في المطبخ الإندونيسي والذي لا يحتمله الهولندي في طعامه. الفلفل هنا رمز لروح المغامرة التي تتمتع به الكاتبة والتي رافقتها طوال رحلة "جهادها". أما صورة الغلاف فلا تخفي فنًا يجذب القارئ بغرائبيته و تحديه: تقف الكاتبة بردائها الأحمر وبرأسها المكشوف بين مصلين ذكور يلبسون البياض وينظرون أمامهم خاشعين. أما هي فتنظر في الكاميرا مباشرة كأنها تتحدى القارئ كي يلتهم هذا الجهاد اللذيذ.
في الحقيقة.. بالرغم من الوعود بالجهاد الحار، إلا أن الكتاب لطيف بشكل عام وهو عبارة عن مزيج بين حياة الكاتبة الشخصية وعملها كمراسلة للجزيرة الإنكليزية في إندونيسيا. تتشابك في الكتاب الصراعات السياسية والكوارث الطبيعية مع مشاكل الكاتبة مع زوجها الذي ينتحر بعد انفصاله عنها بعام.
هذا اللون من الأدب، الهجين بين الحياة الشخصية والهم العام، لون معروف في هولندا ولقد سبقها إليه صحفيون ورحالة ومستعربون. لا تدعي الكاتبة أنها تقدم نظريات علمية معقدة عن الواقع ولا تطلق أحكامًا عامة. هي فقط تقدم تجربتها المهنية بطريقة شخصية و تفصيلية، بأسلوب يشبه المذكرات.
يتلاقى الشخصي و العام في طبيعة عملها كمراسلة لقناة الجزيرة في إندونيسيا. تبدأ "فاسن" كتابها بتبريرعملها عند قناة الجزيرة المشبوهة. هي مضطرة لذلك لأن الكثير من الهولنديين يعتقدون أن الجزيرة هي قناة القاعدة وأن جلّ عملها مع الإرهابيين. ولقد اتهمها أحدهم أنها عدوة الوطن. تشرح "فاسن" أن الجزيرة ليست قناة راديكالية، ولا حتى إسلامية.
إنها قناة مثلها مثل السي إن إن، قناة عالمية، مع الفارق أن الجزيرة تقدم منظارًا مختلفًا لفهم الحقائق. ومن خلال احتفاء الإندونيسيين بالجزيرة تتأكد "فاسن" أن الجزيرة هي قناة العالم الثالث. و بعد انطلاق الثورات في البلدان العربية صارت القناة، برأيها، منبرالعالم الثائرالذي يتوق إلى الحرية و الرفاه.
تتحدث "فاسن" في كتابها عن أهم تجاربها الصحفية في إندونيسيا، عن لقاءاتها مع الرؤساء الإندونيسيين، عن تتبعها لبعض الإرهابيين، عن فريق عملها، عن طقوس العبادات وغضب الطبيعة، عن الصيام و الجنس، عن الإسلام الشعبي اللطيف وعن موضة أسلمة المسائل الخلافية التي طغت بعد أحداث 11 أيلول.
شيئًا فشيئًا تتكون عند القارئ صورة عن إندونيسيا كبلد المفارقات، بلد الأخلاقيات المزدوجة، بلد الفقر و التعاون، بلد التعري والورع والتنوع. ترتكزالديمقراطية في إندونيسيا على مبدأ حرية اختيار الإله. ومازال البلد يرسم خطواته الأولى في طريق الديمقراطية والتسامح، بيد أن المشوار يبدو طويلاً. مشوار بدأه الشعب بعد أن أطاح بالديكتاتور "سوهارتو" الذي ظل يحكم البلاد لفترة عقود. وتفخر إندونيسيا بأنها أكبر ديمقراطية إسلامية: من قال أن الديمقراطية لا تتناسب مع الإسلام؟
من اللافت أن "فاسن" تكتب بصيغة المخاطب. إنها توجه كلامها إلى خليل، رجل هولندي من أصل مغربي. قد يتساءل القارئ لماذا تخاطبه هو بالذات؟ و لماذا يحظى لقاؤه معها في أمستردام و زيارته لها في إندونيسيا كل هذا التفصيل؟ لا يكتشف القارئ السبب الحقيقي إلا في نهاية الكتاب، عندما يرسل خليل إلى الكاتبة رسالة مطولة يراجع فيها رحلته إلى إندونيسيا وزيارته معها للإرهابي السجين "بصري"و ضحيته "نوفي" التي نجت من الموت بأعجوبة.
خليل يتعاطف مع "بصري" الذي انتقم بفعلته هذه لمقتل أهله، ولكنه يحمّله أيضًا مسؤولية فعله و يرى أنه يستحق العقاب الذي ألم به. و لكن خليل يفضل طريقة "نوفي" بالتعامل مع ألمها، إذ أنها لم تزداد كرهًا كما فعل "بصري" ولم تتهم الإسلام برمته بما حلّ بها.
لا بل إنها اعتنقت الإسلام بعد أن أحبت رجلاً مسلمًا. وهكذا يصبح توجيه الكتاب إلى خليل الهولندي المغربي طريقة ذكية تستخدمها الكاتبة لربط الكتاب بالواقع الهولندي، فالجميع في هولندا يعرف أن للمغاربة وضعهم الخاص، إذ أنهم أول المستهدفين من قبل اليمين المتطرف الذي يعمل حسب زعمه على الحد من المد الإسلامي إلى هولندا.
يبدو أن الكاتبة تريد أن تقدم للقارئ الهولندي شخصية إسلامية معتدلة تصرح حرفيًا (عبر الرسالة) عن استنكارها للعنف وميلها للحلول التي تتجاوز الحدود الدينية والثقافية. في شخصية هذا الهولندي المغربي يتصالح الإسلام مع السلام. رأي قد يصدقه القارئ الهولندي، وقد لا يصدقه. و يبقى للكاتبة ثواب الاجتهاد.






























علِّق