إبراهيم حمودة – إذاعة هولندا العالمية/ في الوقت الذي تحمل فيه الملصقات الانتخابية في مصر صورة زوج المرشحة بدلا عن صورتها الشخصية، تنشر المدونة المصرية والطالبة بالجامعة الامريكية صورها وصور صديقها عارية تماما على مدونتها مذكرات ثائرة وعلي صفحتها على الفيس بوك كصرخة مدوية من أجل الحرية وضد القمع والعقلية الجنسية في تضاد واضح مع تيارات اجتماعية ودينية ترى أن نشر صورة المرأة ولو بكامل ملابسها أمرا غير ممكن. وقد أضافت علياء المهدي بيانا قصيرا بعد ردود الفعل الاولي العنيفة التي وصلت الى درجة المطالبة بقتلها جاء فيه:
"حاكموا الموديلز العراة الذين عملوا في كلية الفنون الجميلة حتي أوائل السبعينات واخفوا كتب الفن و كسروا التماثيل العارية الأثرية, ثم اخلعوا ملابسكم و انظروا إلي أنفسكم في المرآة واحرقوا أجسادكم التي تحتقروها لتتخلصوا من عقدكم الجنسية إلى الأبد قبل أن توجهوا لي إهاناتكم العنصرية أو تنكروا حريتي في التعبير".
لا تحمل صور علياء المنشورة على مدونتها مذكرات ثائرة أي طابع إيروسي ( باستثناء صورة واحدة ربما). حيث تمثل الصور بورتريهات أشبه بتلك التي تشاهدها لرسامي الفترة الكلاسيكية ولكنها بالكاميرا بدلا عن الفرشاة. جسد علياء العاري كعمل فني يخرج بالفكرة برمتها من محيط البورنوغرافيا ومن ثنائية ممنوع مسموح الى سياق الفن والحرية.
في هذا الصدد سألنا الفنان العراقي المقيم في هولندا فاضل نعمة إن كان نشر هذه الصور ممكنا من وجهة النظر الفنية:
"الفنان حر في اختياراته ومواضيعه التي يعالجها. الفن بهذا المعنى حرية ويمكن لمن يمارسه تناول جميع الموضوعات بالطريقة التي يشاء مهما بلغت درجة حساسيتها بالنسبة لمحيطه الاجتماعي".
موديل عاري للجميع
تدرس مادة رسم الجسد العاري (نيود) في الكثير من معاهد وأكاديميات الفنون عبر العالم العربي حيث يدرس الطلاب تشريح الجسد من الناحية الطبية قبل رسم الجسد العاري. قد تسقط هذه المعاهد والاكاديميات مثل هذه المادة في دول عربية اخرى كثيرة لسيادة نظرة تطهرية عن الجسد لا تسمح بجعله موضوعا للفن والتأمل بل ويتحاشى الفرد في بعض مجتمعات هذه البلدان النظر لجسده عاريا. هذا اضافة لعملية مشاهدة مختلف الاعمال الفنية العالمية التي تتخذ من الجسد العاري للرجال والنساء موضوع لها كجزء من تجربة تغذية الذاكرة البصرية لطلاب الفنون.
في هذا الصدد يقول الفنان التشكيلي المقيم بهولندا فاضل نعمة:
"في بغداد أثناء دراستنا للفنون التشكيلية كانت الموديلات العارية تأتي الى شققنا الطلابية وكنا نرسمها ونعرض هذه الرسوم على اساتذتنا وتعرض الرسوم فيما بعد في المعارض والمتاحف وتصدر في شكل كتب موجودة حتى الآن. حين درست هنا في هولندا في اكاديمية الفنون الملكية كان الموديل العاري يأتي الى قاعة الدرس، رجل وامرأة دائما ، حيث يعكف جميع الطلاب والطالبات على رسمه وهو شئ لم يكن مألوفا لدي في البداية ان يحضر الموديل للقاعة ليجلس امام الطلاب".
عري يتعدي الفن
السياق الذي وضعت به المدونة الشابة علياء ،التي تدرس علوم الاتصال والاعلام، هذه الصور العارية يوحي ويقدم نفسه كسياق فني. إذ تحوي المدونة رسومات بالقلم الرصاص ورسومات ملونة لاجساد عارية وصور لتكوين جسدي يتضح من التقنية التي اخذت بها بأنها لا تستهدف أي اثارة حسية (بورنوغرافي) ولا تصلح للتعامل معها على هذا الاساس. تحوى المدونة ايضا شعارات تنادي بالحرية مثل صورة المدونة الواقفة تحت لافتة مكتوب عليها "ساحة انتظار الحرية" وفوقها عبارة "الحرية لا توهب ولكنها تنتزع". بهذا المعنى يمكن النظر للمدونة بما تحويه من صور ورسومات وشعارات كرسالة صارخة تنادي بالحرية. حرية سيادة الانسان على جسده والتعامل معه بالطريقة التي يشاء.
حزمة الاشارات المذكورة في المدونة وشعارات الحرية وانتظارها وبيانها المقتضب حول الكبت الجنسي الذي يعاني منه المجتمع والتخوف من الجسد، يمكن النظر اليها كفعل متعد ومتحد. نوع من تقديم الذات بصورة محددة وهيئة محددة. مثلما يقدم الناس ذواتهم في الشارع العام بالظهور بهيئة ولبس محددين تخبران عن هوية الشخص وخياراته الفكرية والحياتية. لتصبح رسالتها بهذا الشكل الصادم كمن يحمل مرآة يريد للناس أن ينظروا من خلالها لانفسهم.
مئة ألف زائر في اليوم
تجئ ردود الفعل الكثيرة والعنيفة التي وصلت حد التمييز والمطالبة بالقتل لتخلط كل هذه الاوراق بتركيزها على فكرة ما يصح وما لا يصح بالمعنى الاجتماعي، الاخلاقي وربما الديني. ومع ذلك شهدت مدونة علياء المهدي اقبالا وتدفقا كبيرا فاق المائة الف زائر في يوم واحد. يعلل صديق المدونة كريم عامر هذا الاقبال بسيادة الهوس الجنسي.
الفنان التشكيلي فاضل نعمة يعلق قائلا:
"الممنوع مرغوب، فهذه الضجة المثارة بما فيها الضجة الاعلامية ستنحسر، ليس هنالك شئ غريب. إذا رأيت أن المرأة لا تستطيع قيادة سيارة في بعض الدول العربية فإنك ستدرك سبب هذه الضجة. أعتقد أنه حتى من ناحية فنية فإن تغيرات كبيرة ستحدث في هذا الجانب بسبب التطور الحادث في مجال تقنية المعلومات والاتصالات. اذا نظرت لحالة الفنون قبل خمسين عاما وما وصلنا اليه اليوم ستستنتج أن هذا التغيير سيحدث".
الصورة المرافقة للمقال: http://makhlouf.tumblr.com/post/12712281565
رابط المدونة: http://arebelsdiary.blogspot.com/




















