يترقب الإسرائيليون والفلسطينيون في الأراضي المحتلة خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في نيويورك باهتمام بالغ. والسؤال الكبير هو: هل تعترف الأمم المتحدة بـ "فلسطين" بوصفها دولة مستقلة؟ إلا أن معنى العضوية الكاملة لفلسطين في المنتظم الدولي يبقى غامضا. هذا تقرير عن آمال ومخاوف ثلاث عائلات هولندية تعيش على جانبي الحدود في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
ماوريس لابارليير – إذاعة هولندا العالمية/
الجدار، ذلك الجدار العازل المشهور. إنه يلتوي كأفعى فوق التلال ممتدا من الأراضي المقدسة حتى يلامس الأفق. تسلقنا، جيم هاسنار، وأنا قمة تلة حتى نتمكن من مشاهدة الجدار المثير للجدل مشاهدة شاملة. يفصل الجدار إسرائيل عن الضفة الغربية. يعيش جيم مع زوجته الإسرائيلية وأبنائه الثلاثة فعلا على مرمى حجر من الجدار المنتصب كعملاق على ارتفاع خمسة أمتار. جيم مسرور ببناء الجدار:
"من القرية التي تشاهدها هناك، قرية جبلة، لم تكن تأتينا منها مشاكل، ولكن من القرية البعيدة عنها، قلقيلية، نعم. كان فيها إرهابيون يدخلون إلى إسرائيل والآن توقفوا. في السنوات الأخيرة تحدث هجمات قليلة جدا".
العيش بسلام
لو كان الأمر بيد هاسنار لسمح للفلسطينيين بالسيطرة على كامل الضفة الغربية، فهو يتمنى لهم العيش في سلام، وهذا ما يعتقده كثير من الإسرائيليين.
في نوفمبر تشرين الثاني بدأ رون، الابن الأكبر لهاسنار، الخدمة العسكرية الإجبارية التي تستمر ثلاث سنوات. لا يهتم جيم ولا ابنه رون بشأن ما إذا أصبحت فلسطين دولة مستقلة. "لن يتم فتح الحدود. بالتأكيد سيقال إن هناك هجومات بالقذائف الصاروخية، ولكن هذا لا يقلقني كثيرا. نحن نعيش في منطقة قريبة جدا، وما على هؤلاء إلا أن يطلقوا النار عاليا ليصيبوا بيتنا، وعندئذ سيجنون هم على أنفسهم".
مقاومة
وصلت في اليوم التالي إلى رام الله، العاصمة غير الرسمية لفلسطين. مركز المدينة حيوي ويشهد نشاطا تجاريا واسعا حيث يعرض كل شيء للبيع، من عجلات الدراجات الهوائية إلى دمى باربي. أخذني بيتر لابان الذي يشتغل مستشارا في شئون المياه، أولا إلى مسرح جميل وقاعة سينما حديثة. يريد لابان أن يوضح لي أن الفلسطينيين يتوفرون على روح مقاومة عالية ويستمتعون بحياتهم. يقول لابان:
"يمكن أن تشاهد في هذا المسرح كل شيء. وهذا ما يفسر بشكل جلي لماذا أقيم هنا. هذا الشعب لا يستسلم ويحاول كل يوم أن يعيش حياة أفضل، على الرغم من جميع القيود التي يفرضها عليه الاحتلال".
الحياة داخل رام الله حياة جيدة ولكنها في الواقع تعتبر أيضا سجنا كبيرا، هذا ما يحاول لابان قوله. فزوجته الفلسطينية لا تغادر المنطقة إلا بشق الأنفس.
قنبلة موقوتة
يرى لابان أن قنبلة موقوتة تهدد الضفة الغربية ويقدر أن حصة المياه التي يحق للفلسطينيين الحصول عليها من إسرائيل ستنفد خلال الثلاثين أو الخمسين سنة القادمة. "عندئذ لا يمكنك العيش هنا". ويذهب لابان إلى أن النزاع المستمر منذ فترة طويلة وراء الكواليس حول المياه هو الذي يحدد الصراع والخلافات أكثر من الخلافات الدينية.
في الميدان الرئيسي ينتصب كرسي عملاق أزرق، يرمز لمقعد الفلسطينيين في مقر الأمم المتحدة. يقبل الهولندي لابان (63 عاما) بصدر رحب التقاط صور تذكارية مع الشبان الفلسطينيين. إذا كان التصويت بالإيجاب فستقام هنا حفلات متواصلة ليل نهار. لا يخفي لابان آماله.
في ظهيرة ذلك اليوم الذي كنت فيه راجعا إلى القدس، أتيحت لي الفرصة للاطلاع على الحياة اليومية لعربي يحمل جواز سفر إسرائيلي. أمام حاجز قلنديا أخذت مكاني في صف طويل تحت شمس حارقة. وفجأة قفل حاجر التفتيش، هكذا بدون أي توضيح، ما أثار الشباب فتدافعوا على البوابات. وبعد ساعة كاملة كنت على الجانب الآخر.
طائر غريب
في مستوطنة داخل عمق تلال وعرة في الضفة الغربية يعيش مستوطن هولندي يدعى أوري هايلبرون. كنت أتوقع أن أرى مسكنا مؤقتا، إلا أنني وجدته يسكن في بيت جميل وحديث مشيد على ظهر جبل.
"لدي غرفتا نوم ومطبخ وغرفة معيشة (صالون). هذا كل بيتي. لدي الآن خمسة أطفال، إذن مع خمسة أطفال ضاق المنزل ولم نعد نستحمل أكثر. أزلنا الجزء العلوي وأضفنا طابقا آخر، وخصصنا الجزء السفلي كاملا كغرفة للمعيشة".
الغريب أن البنائين فلسطينيون، وقد اختارهم أوري عن وعي لأنه يريد تعلم العربية. يعترف أوري أن بعض سكان المستعمرة ينظرون إليه كطائر غريب.
يأمل أوري أن تختفي في المستقبل الأسوار المحيطة بقريته، ولكنه في الوقت نفسه لا يعير اهتماما للقرارات الدولية. فهو يضفي الشرعية على وجوده في هذه المستعمرة بالدور الذي لعبه مسقط رأسه شيلو في قصص العهد القديم. ولذلك يأمل أن يعيش هناك إلى آخر أيامه، ولكنه لا يفكر في أن يدافع عن مستعمرته باستخدام العنف والقوة.


























