كتب : محمد أمزيان -"جئت لأسوّق ضحكتي". هذا ما قاله الدلاي لاما – ضاحكا – للصحافيين في مطار سخيبهول الهولندي. ضحكة الدلاي لاما أصبحت علامة تجارية رابحة يروجها صاحبها دفاعا عن حقوق شعبه ووطنه التبت. وزن الصين البشري وكل علاماتها التجارية الرائجة دوليا، لم تحل دون الترحيب الشعبي بزعيم التبت الروحي. وحينما طلب الصحفيون منه تعليقا على غياب رئيس الوزراء عن استقباله، أجاب: ’نو بروبلم‘ "ليست هنالك مشكلة" بانجليزيته التي تثير الابتسام بدورها.
كل من يشاهد الدلاي لاما عبر شاشات التلفزيون وهو يجيب بتواضعه الجم على أسئلة الصحفيين، لا بد أن تستوقفه ضحكاته وابتساماته التي لا تفارق محياه. أحد المذيعين والصحفيين المشهورين في القناة الرابعة، لم يخف إعجابه به. فراح ينحني مع كل انحناءة يقوم بها ضيفه. معروف عن الصحافيين الهولنديين "المباشرة" في العمل؛ في طرح الأسئلة المحرجة في غالب الأحيان. غير أن زعيم التبت حظي باحترام من الجميع.
كيف "غزا" الدلاي لاما قلوب الهولنديين، بل قلوب الغربيين عموما؟ السر في ابتسامته وتواضعه ورسالته التي يحملها في حله وترحاله. هو لا يحمل "دينا" يريد نشره ولا يدعي ذلك أيضا. إنه يبشر بـ"طريقة حياة" تقوم أساسا على السلم والسلام، والتناغم الروحي الداخلي في الإنسان. تقوم على استنهاض القيم الروحية في زمن طغت فيه المادة. أليس هذا ما يعد به الوعاظ الإسلاميون أيضا؟ قال لي زميلي الهولندي إن رسالة الدلاي لاما تشبه إلى حد كبير رسالة الصوفيين في الإسلام. لكن المسلمين فشلوا في تحويل مضمون الرسالة إلى علامة يسوقونها.
حاولت أن أستحضر صور وملامح ’زعماء‘ المسلمين الروحيين لأقارنها بصورة الدلاي لاما، فلم أجد أحدا. أعلم أن البعض سيأخذ علىّ هذه المقارنة، ويقول: كيف تقارن بين مسلم يعبد الله، وشخص يعبد بوذا الصنم؟ وأسارع إلى التأكيد على أنني لا أقارن بين الأديان، وليس في نيتي أن أفاضل بين عقائد الناس. أريد فقط أن أطرح سؤالا: لماذا نجح الدلاي لاما في ما فشل فيه المسلمون؟.
بعض وعاظ الفضائيات أصبحوا "نجوما" لهم أتباع في كل بقاع الدنيا. قبل أقل من شهرين دعت الجامعة الإسلامية في روتردام داعية إسلامي من أصل أمريكي. قامت الدنيا هنا ولم تقعد إلا بشق الأنفس، بعدما "استنطق" الداعية من قبل صحافيين حول تصريحات سابقة له، دعا فيها إلى "الجهاد". كلمة الجهاد التي حول بعض المروجين للعنف معناها، لتعادل كلمة الإرهاب. الشيخ القرضاوي منع في السابق أيضا من دخول بريطانيا. الداعية المسالم يوسف إسلام، وضعته السلطات الأمنية الأمريكية على لائحة الإرهابيين قبل أن يتدخل بعض "المحسنين" لصالحه.
في حياتنا اليومية، كثيرا ما تدخل مسجدا لصلاة الجمعة فينتابك شعور بالندم. بعض المنتحلين لحرفة الإمامة، يستغلون ضعف نصيب المصلين من اللغة العربية، ليلقوا خطبا "نارية" وكأنهم في ساحة الوغى. فبدل أن يعظوا الناس بما تيسر لديهم من نصائح دينية في أمور التربية وكيفية أداء الشعائر، يتحولون إلى كائنات غاضبة نفاثة للتجهم والحزم والصرامة. يصيحون. يوزعون لكمات في الهواء. يرعدون ويتوعدون. بعض الخطب تشبه "البيان رقم 1" في أدبيات الانقلابات العسكرية في البلدان الإسلامية. الغريب أنهم "يشنون" حروبهم ضد "المسيحيين الغزاة" وهم يعيشون بينهم!.
لا يمكن لأحد أن يجحد سماحة الإسلام. لكن الكثير ممن يتحدثون باسمه ليسوا متسامحين. إمام في إحدى المدن الهولندية أفتى بعدم جواز تحية الجار إذا كان غير مسلم. وآخر نهى عن الابتسام في وجه غير المسلمين. وثالث أفتى بتحريم التصويت في الانتخابات. وآخر حرم الحصول على جواز سفر هولندي، لكن بعد أن ضمنه هو لنفسه، والأمثلة لا تعد ولا تحصى، تبين البون الشاسع بين ما يدعو إليه الإسلام من تسامح، وبين ما يدعو إليه مثل هؤلاء الوعاظ من قطع الأوصال. الأدهى من كل هذا أن هؤلاء لا يتورعون عن وصف الدواء لكل داء. وحتى بعض الخدع البصرية التي يتعلمها الصغار في المدارس، يجدون لها تعليلا دينيا، ويبحثون عن رأي الشرع فيها.
بلباسه البرتقالي البسيط وضحكته الثمينة بدأ الدلاي لاما زيارته لهولندا بإطلاق نكتة. "شاهدت من الطائرة كثافة سكانية كبيرة، فلماذا لا يهاجر أزواج منكم إلى آيسلاندا؟ .. إنني أمزح"! قبل أن يواصل مؤتمره الصحفي رغم أنف الصين.
فهل يحتاج الإسلام إلى لاما مسلم لتحسين صورته في الغرب؟























علِّق