صنعاء: من عثمان تراث /بإمكانيات جد محدودة، تواجه اليمن انتشاراً سريعاً لفيروس H1 N1المشهور بـ "أنفلونزا الخنازير" الذي وجد طريقه إليها في يونيو الماضي قادما مع عدد من الطلاب اليمنيين العائدين من الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن يبدأ انتشار الوباء محليا، ليصل عدد المصابين إلى 3491 حالة حتى 22 فبراير الجاري حسب آخر إحصائية حكومية معلنة ، فيما بلغ عدد الوفيات 22 حالة. وحدثت معظم الوفيات في الفئة الشبابية، بين مرحلة الشباب الأولى وحتى منتصف العمر، ولعب التأخر في طلب المساعدة الطبية دوراً أساسياً في حدوثها حسبما أعلنت وزارة الصحة اليمنية.
وكان من أول ما فعلته الحكومة اليمنية لمواجهة الوباء هو أن قامت بتأجيل بدء العام الدراسي الجديد في العاصمة صنعاء ومديرية سيئون بمحافظة حضرموت- حيث ينتشر الوباء أكثر- لمدد تراوحت بين أسبوع و 7 أسابيع - حسب اختلاف الفئات العمرية للطلاب- بهدف إفساح المجال أمام وزارتي الصحة والتربية والتعليم لتعزيز الإجراءات الاحترازية وتكثيف التوعية الإعلامية حول المرض وطرق الوقاية منه في أوساط الطلاب.
وفرضت الكثير من مدارس اليمن على الطلاب إحضار المنظفات ومعقمات الأيدي معهم، وتنظيف أدراجهم الدراسية وتعقيمها. لكن السيطرة على الوضع في المدارس ومراقبة التزام الطلاب بالتوجهات الصادرة يبدو أمراً صعباً ومعقداً في ظل الازدحام الشديد الذي تعاني منه الكثير من المدارس الحكومية، خاصة في العاصمة صنعاء والمدن الكبيرة، هذا ما يؤكده الأستاذ أحمد الحبابي مدير ثانوية الكويت بصنعاء وهو يوضح أن مدرسته تكتظ بنحو أربعة آلاف طالب، ويتجاوز عدد الطلاب في بعض الفصول المائة طالب.. ويقول لإذاعة هولندا العالمية: "ليس لدينا الشيء الكثير لنفعله، لقد ألقينا محاضرات على الطلاب عن المرض، ووزعنا عليهم النشرات والملصقات التوعوية، ونصحناهم باستخدام المنظفات والمواد المعقمة، لكننا لا نستطيع مراقبة التزام كل هذا العدد من الطلاب.
ويضيف: "لقد طلبت منا وزارتا التربية والصحة تخفيف الازدحام في الفصول، وهذا أمر ليس في مقدورنا. إن طلابنا موزعون على 51 شعبة، وهذا فوق طاقة المدرسة، وإذا أردنا تخفيف أعداد الطلاب في الفصول لابد أن نقسم اليوم الدراسي إلى فترتين: صباحية ومسائية، وهذا يحتاج مدرسين إضافيين ليسوا متوفرين لدينا".
الجهاز الوحيد
ويظهر حجم المشكلة الأكبر عندما نعلم أن اليمن بكاملها يوجد فيها جهاز واحد فقط للفحص الخاص بأنفلونزا الخنازير، الأمر الذي يجعل نتائج الفحص تتأخر أحيانا لعدة أيام، رغم تحذير الجهات الصحية المتكرر، من التأخر في تلقى العلاج، وتأكيدها أن مثل هذا التأخر يُعد سبباً رئيسياً في وفاة المصاب بأنفلونزا الخنازير، أو بالأقل في إصابته بمضاعفات خطيرة.
ولمواجهة هذه المشكلة اتبعت السلطات الصحية في اليمن إستراتيجية أخذ العينة للفحص وإعطاء العلاج فوراً، أي بدون انتظار نتيجة الفحص. ويدافع مختصون في وزارة الصحة اليمنية عن فكرة أن الفحص ليس ضروريا لأخذ العلاج في حال ظهور أعراض مؤكدة للمرض، خاصة لدى الأشخاص المخالطين لحالات مصابة.
يقول الدكتور عبد الحكيم الكحلاني مدير عام مكافحة الأمراض والترصد الوبائي بوزارة الصحة اليمنية: "إن إستراتيجية إعطاء العلاج فوراً تعد أسلوباً أمنا، فإذا كان المريض مصاب فعلاً بالفيروس "اتش1 ان1" فسيكون قد أخذ الدواء في وقته وبدون تأخير. أما إذا اتضح أنه غير مصاب فلا مانع من استخدامه للدواء والاستمرار فيه، لأن فيروس "اتش 1 ان1" هو أحد أنواع فصيلة (أيه A) التي تتضمن مئات الأنواع من الفيروسات يفيد الدواء المستخدم في علاجها جميعاً".
إجراءات الوزارة
وفي حديثة لإذاعة هولندا يفيد الدكتور الكحلاني أن الإجراءات التي قامت بها وزارة الصحة اليمنية لمواجهة الوباء الجديد شملت: تفعيل اللجنة الوطنية العليا لمواجهة جائحة الأنفلونزا، وتدريب الكثير من الكوادر الصحية، وإدراج الأنفلونزا في قائمة الأمراض الخاضعة للترصد، فضلاً عن توفير كمية من الأدوية تكفي 96 ألف حالة، وإتاحة وسائل الوقاية مثل الكمامات، إضافة إلى إيجاد جهاز الفحص، ثم توفير المحاليل الخاصة بالفيروس، وتكثيف الترصد الوبائي في المنافذ (في المرحلة الأولى)، وطباعة أكثر من ثلاثة ملايين نشرة توعية، وأكثر من 1.1 مليون ملصق، و40 ألف دليل للمدارس. ويقول: "هذا أقصى ما استطاعت وزارة الصحة أن تقوم به في ظل الإمكانيات المتوفرة".
يُذكر أن الحكومة اليمنية كانت قد أقرت تخصيص مبلغ ملياري ريال يمني (10 ملايين دولار) لمواجهة الجائحة في اليمن، لكن مسئول في وزارة الصحة يوضح أن ما تم تحويله إلى الوزارة لا يتعدي 280 مليون ريال (1.4 مليون دولار).
وكان الكثير من اليمنيين قد أبدوا اهتماما وقلقا كبيرين بالجائحة العالمية مع بداية وصول المرض إلى بلادهم، وحرصت أعداد كبيرة منهم على ارتداء الكمامات في الأسواق ووسائل النقل العامة، ولكن هذه الظاهرة اختفت مع توقف وزارة الصحة اليمنية عن الإعلان اليومي عن عدد الإصابات والوفيات. ويفيد الدكتور الكحلاني أنهم في وزارة الصحة لاحظوا أن الإعلان اليومي أدى إلى خلق حالة من الذعر والهلع بين الناس، ولمعالجة ذلك توقفت الوزارة عن الإعلان اليومي واستبدلته بالإعلان على فترات متباعدة نسبيا".
وعاني بعض اليمنيين، الذين أحسوا بأعراض الأنفلونزا، من رفض استقبالهم في عدد من المستشفيات الحكومية والخاصة بسبب خوف العاملين في تلك المستشفيات من الإصابة بالمرض، بحجة عدم توفر وسائل الوقاية اللازمة، وانتشار شائعات عن إصابة العشرات من العاملين في تلك المستشفيات بالمرض، إضافة إلى عدم وجود التجهيزات الكافية في المستشفيات لاستقبال المصابين بالوباء، وبالأخص عدم توفر أجهزة كافية للتنفس الصناعي.
ويقلل الدكتور الكحلاني من أهمية توفير إمكانيات كبيرة في المستشفيات اليمنية لمواجهة الوباء العالمي، ويلفت إلى أن حالات الإصابة التي تستدعي الرقود في المستشفيات لا تتجاوز نسبة 2 إلى 3 بالمائة من المصابين، بينما يتم علاج بقية الحالات في بيوتها.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد أقرت في أكتوبر الماضي تقديم 2.2 مليون جرعة من لقاح أنفلونزا "اتش1 ان1" لليمن بكلفة تبلغ 15 مليون دولار. لكن هذه الكمية من اللقاحات تكفي فقط نسبة 10 بالمائة من سكان اليمن البالغ عددهم نحو 22 مليون نسمة. وأعلنت وزارة الصحة اليمنية أنها تدرس حالياً كيفية توزيع هذه الكمية من اللقاحات من خلال إعطاء الأولية للفئات الأكثر عرضة للإصابة والخطر، وفي مقدمتهم العاملون في المؤسسات الصحية والتعليمية، والمصابون بأمراض مزمنة خطيرة، والحوامل، والفئات العمرية الصغرى والعليا.



























علِّق