أنا إدريس
يشرع القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية في نشر وبث حلقات من كتاب "أنا إدريس" من تأليف عزيز أينان وحسن بحارة بعد ترجمة قصص مختارة منه إلى اللغة العربية وتقديمها مسموعة خلال فعاليات المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء يوم 12 فبراير الجاري. يحكي الكتاب قصة الجيل الأول من المهاجرين المغاربة المقيمين في هولندا، وسبق أن نشر في حلقات باللغة الهولندية في صحيفة إن إر سي هاندلسبلاد واسعة الانتشار.
اذاعة هولندا العالمية/ كان بيت يوست دو خرايبر مليئا بالتماثيل الصغيرة اللامعة لطيور البجع. كانت موضوعة على رف النافذة الداخلي، وعلى جوانب كانون التدفئة، وعلى الطاولات وحتى على التلفزيون. كانت هناك في شتى الأشكال والأحجام والمواقف المختلفة؛ أحدها كان مادا عنقه والآخر مخبئا رأسه تحت جناحه.
جلست على أريكة مخملية تتدلى الخيوط من جنبات وسائدها. وكان السجاد شيئا يشبه صوف الغنم، سميكا ودافئا. وعلى الجدران لوحات عدة لأطفال يبكون. كنت أتساءل عما إن كانوا أطفال يوست، وإن كان الأمر كذلك، عن سبب بكائهم.
وقف يوست عند خزانة بها اسطوانات موسيقى وسحب البعض منها. وبدا وكأن الجعة التي شربتها معه في المقهى قد انتهى مفعولها. وكنت أتساءل عما كان يفعله مصطفى وكمال آنذاك، عما إن كانوا قلقين علي، أم أنهم كانوا قد نسوني ولاذوا يفرغون ثمالتهم في النوم. بينما كنت أفكر في ذلك، جاء يوست وجلس بجانبي ومعه كومة من الاسطوانات الموسيقية.
قال يوست: "المطربة التي بلا اسم"، مشيرا إلى الغشاء العلوي. كانت على الغلاف صورة لامرأة بالأسود والأبيض. كانت امرأة في سن متقدمة بعض الشيء، لكنها جميلة، تتكئ على إطار النافذة وتحدق بعينيها الحالمتين إلى الأمام. كان ذلك هو الوجه الدافئ الذي كنت أتصوره مع ذلك الصوت تماما. كان يوست ينظر إلى الغشاء وكأنه كان ينظر إلى أمه، مليئا بمشاعر الحب والوقار.
قال: "يا لها من امرأة" وتنهد. قـرّب الغلاف الى فمه وضغط بشفتيه مقبِّلا الصورة.
سألته "أنت زوجة؟"، وقمت بحركة وكأنني أُدير خاتما على إصبعي. فأجاب يوست "نعم"، وأشار إلى الباب.
قال: "نائمة". صُدِمْتُ. ثلاثة أمتار من هنا كانت امرأة مجهولة نائمة، وكنت أنا هناك مع زوجها نتفرج على الألبومات. رأى يوست الانزعاج على وجهي. فقال لي متبسما: "استرخ"، "Pas de problème". نهض وأخذ بعض إطارات الصور من بين تماثيل البجع من على إطار كانون التدفئة.
قال: "زوجتي"، وأشار إلى امرأة في الصورة.
كان هذا الرجل مفتون حقا بالمطربة التي بلا اسم. فحتى زوجته تشبهها.
سألته: "أنت أطفال؟"، مشيرا إلى لوحات الأطفال الباكين. ضحك يوست.
حرك رأسه نافيا. "لا أطفال، Jamais". ثم استأنف ضحكه على سؤالي لبعض الوقت. نهض بعد ذلك ثم مشى في اتجاه آلة الغراموفون وأدار أغنية للمطربة المجهولة. كان الصوت خافتا. أغلق يوست عينيه وشرع يرقص مع امرأة وهمية.
نظرت إلى الصور ورأيت يوست وزوجته في مختلف الأماكن: على الشاطئ، في المخيم، يرتدون ملابس غريبة وبأحذية خشبية.
كانت تلك أول لمحة لي من حياة شخص هولندي. هولندي كانت زوجته نائمة على بعد ثلاثة أمتار، بينما هو سكران يرقص في الصالون مع امرأة من هواء.




























علِّق