للوهلة الأولى، تبدو أنها مجرد قرية صغيرة ومتربة تقع في شمال العراق، لكنها محاطة بسياج مرتفع تقريبا. يعيش اللاجئون الأكراد من تركيا في مخيم مخمور منذ عشر سنوات وحتى الآن. ولا يعرف أي احد متى يستطيع هؤلاء العودة إلى حياتهم الطبيعية من جديد.
تفاصيل يومية
مخيم مخمور، شمال العراق، ليس مدينة كبيرة تملؤها المخيمات، بل قرية صغيرة متربة، فيها متاجر صغيرة، محلات حلاقة ومبنى عام كبير للاجتماع. يلعب الأطفال كرة القدم في الشارع ويتجاذب الباعة مع المارين أطراف الحديث وهكذا ينقضي يومهم. كل ما يميز المخيم عن القرى المجاورة هو ذلك السياج المحيط به والذي يمنع خروج الناس من المخيم دون إذن مسبق.
أنشئ المخيم عام 1998، يعيش فيه الآن حوالي 12 ألف لاجئ كردي تركي. فرّ هؤلاء من جنوب-شرق تركيا خلال القتال الذي نشب بين الجيش التركي ومسلحي حزب العمال الكردستاني اوائل التسعينيات.
حديقة الشهداء
يتوسط المخيم مايسميه سكان المخيم "حديقة الشهداء" وينتصب في الحديقة نصب تذكاري للقتلى من مسلحي حزب العمال التركي. بامكان أقارب هؤلاء الضحايا زيارة النصب والجلوس بين زهور الحديقة أو المشي تحت ظلال الأشجار الصغيرة في الحديقة.
باستطاعة هؤلاء أيضا زيارة المتحف الذي يعرض لزواره صورا فوتوغرافية لمئات من الضحايا الذين سقطوا في القتال سواء كانوا رجالا، نساء أوأطفال.
للعديد منهم صور على خلفيتها العلم الكردي ، ويرتدون زيا عسكريا ويحملون الأسلحة. إحدى الصور تعرض لقطة لبنت ذات أربعة عشر عاما تحدق في الكاميرا، تجلس القرفصاء متكئة على بندقيتها. وهناك صور أخرى مكدسة فوق الأرضية. وبما أن حزب العمال الكردستاني التركي مازال مستمرا في قتاله ضد الحكومة التركية، يستمر سقوط القتلى وتكثر الصور ويتجاوز عددها المساحة التي تتيحها الجدران المتحف وتتكوم على الارض في انتظار نقلها إلى غرفة أوسع في المتحف.
أسس الحزب، عبد الله اوجلان عام 1970 ويقاتل من اجل إنشاء دولة كردية مستقلة، والذي من شأنه توحيد المناطق الكردية في تركيا، إيران، العراق وسوريا. تحت الضغوط الدولية تقلص طموح الحزب وأصبح يقاتل للحصول على الحقوق الثقافية والسياسية للشعب الكردي في تركيا فقط.
لا مزيد من العنف؟
ولكن الحزب مازال يستخدم العنف لتحقيق هذه الغايات. تؤكد تركيا أنها ستبقي على هجماتها على قواعد هذه المليشيات على جبال تركيا والعراق ولن تتوقف عن ذلك حتى تلقي الميلشيات أسلحتها وتذعن للسلم. وحسب أنقرة فان المخيم يوفر ملاذا آمنا لميليشيات حزب العمال الكردستاني الذين يشنون غاراتهم على حدود تركيا من قواعدهم شمال العراق.
أجرت القوات الأمريكية والعراقية بحثا دقيقا في المخيم عام 2007 ولم تجد إلا كميات محدودة من قذائف المدفعية ولم تعثر على اية اسلحة. تقول قيادة المخيم إنها لم تعد تؤيد استخدام العنف من جانب حزب العمال الكردستاني التركي، وأوضح احدهم قائلا "لقد تعلمنا من أخطائنا".
تتفق امرأة مسنة في المخيم مع هذا القول. إنها تنتمي إلى المنظمة الكردية -أمهات من اجل السلام- التي تضم أمهات فقدن ابنائهن في الحرب بين تركيا وحزب الـPKK. الامهات يجتمعن في غرفة معيشة صغيرة، ذاخرة بالألوان المنسقة، محاطة بصور فوتوغرافية لزعيم الحزب عبد الله اوجلان، حيث قالت لي المرأة آنذاك أنهم تعبوا من إراقة الدماء. وأضافت: "لقد شاهدنا ابنائنا وهم يستشهدون. لا نريد للمرأة الكردية ولا التركية أن تبكي ابنها او يجرح قلبها، الحل هو السلام."
عزلة واهمال
ورغم هذا، وبعد أيام قليلة من زيارتنا لمخمور، لقي تسعة جنود أتراك مصرعهم في انفجار قنبلة مزروعة على جانب الطريق يشبه انها زرعت بواسطة حزب العمال، جنوب شرقي تركيا، كما تم القبض على انتحاريين اثنين يشتبه في انتمائهما لحزب العمال في حرم جامعة بلكنت في أنقرة. وقصفت الطائرات الحربية التركية معسكرات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق ردا على ذلك.
يقول احد انصار حزب العمال "نطالب الحكومة التركية بالسلام فترد علينا بالقتل، ليس من حكومة تقبل بنا." وهذه هي المشكلة. عدم القدرة أو عدم الرغبة في العودة إلى تركيا في الوقت الذي يستمر فيه القتال، وعدم القدرة على الاستقرار في العراق. ليعيش لاجئو مخيم مخمور في عزلة وإهمال.
تعلق منظمة الأمم المتحدة على الوضع الذي يعيش فيه سكان مخمور، على لسان المتحدث باسمها في المخيم بالقول: "نحاول إيجاد من يقبلهم، ولكننا لا نعرف ماذا نعمل؟، إذا كان لأي شخص اقتراحات فإننا نود سماعها."






























علِّق