Radio Netherlands Worldwide

SSO Login

More login possibilities:

Close
  • Facebook
  • Flickr
  • Twitter
  • Google
  • LinkedIn
الصفحة الرئيسية
السبت 25 May  
أكاديمة الفنون الجميلة- بغداد في الثمانينات
صورة اذاعة هولندا العالمية
Map
Baghdad, Iraq
Baghdad, Iraq

شجرة الصفصاف... بغداد

تاريخ النشر : 23 July 2010 - 1:55pm | تقرير: إذاعة هولندا العالمية (RNW)
مفردات البحث

ليال طويلة من الأرق، آلام غامضة المصدر في كل موضع من الجسد، رأس يكاد أن ينفجر، ورغبة حارقة بالبكاء. كل ما تريده: الذهاب إلى البيت. هذه هي أعراض الحنين.. كما يشعر بها الكثيرون. طوال هذا الصيف ستهتم إذاعة هولندا العالمية بموضوعة الحنين بمختلف تجلياتها. في هذه الحلقة يكتب الفنان المسرحي العراقي المقيم في أمستردام، صالح حسن فارس، تأملات في جزئين حول فكرة الحنين.

 

كتب: صالح حسن فارس/ تسألني عن الحنين! حين أتكلم عن الحنين تحيلني الذاكرة إلى شجرتين، مكانين، حلمين، شخصيتين، مرحلتين، شرق، غرب، حاضر، ماض، حياة، وموت، شجرة الماضي، وشجرة الحاضر. وأنا حائر بينهما.

 

شجرة الصفصاف
هناك في الجهة التي تشرق منها الشمس، في زاوية حديقتنا الصغيرة ببغداد، كانت عندنا شجرة كبيرة تفرش ظلها على البيت، كأنها حارس لأحلامنا وبيتنا. كنتُ أراها كل يوم وهي تعانق سطح الجيران، تغطي واجهة دكان جيراننا (أبو عماد) الذي كنتُ أشتري منه سجائر "المفرد"، من ماركة "سومر" المحلية، وأدخنها في السر خوفاً من أبي. كانت أمي ترفعني على كتفها كي أتسلق الشجرة وأعبث بعش العصافير، في يوم ما علقت طائرتي الورقية بشجرتنا، حاولتُ عبثا أن أنقذ طيارتي لكن محاولاتي باءت بالفشل، غضبتُ من الشجرة، رميتها بالحجارة وبكيت.

 

إنها شجرة الصفصاف، كبرتُ وكبرت معي صارت مثلي، تمشي، تركض، تنتقل، تحلم. دائما كنتُ أجلس في ظلها هروباً من حرارة شمس النهار البغدادية الحارقة، أرسم قلب الحب عليها، وأحفر أول حرف من أسم صديقتي الأولى التي أخاف أن أبوح باسمها كاملاً، أخفي رسائل الغرام الأولى في شقوقها. تتجمع العصافير فوق الشجرة كاسرة هدوء العشية وصمته، نطارد الجراد والعصافير، كنا حلوين كالعصافير نتشاجر تحت ظلها، نتسابق، نتسلق، نقرع جرس الجيران ونختبئ خلفها، حين يهدنا التعب ننام تحت ظلها. كم شهدت هذه الشجرة على بهجتي لمراجعة القصائد الحديثة الممتعة لدرس الأدب، المسرحيات، والروايات، ومعاناتي في حفظ القصائد الكلاسيكة الجافة، وجدول الضرب في درس الرياضيات، حين أنجح أعانقها وأرسم قبلة على جذعها. نجلس أنا واخوتي الثمانية أحيانا نتسلى تبديدا للوقت نأكل حب (عين الشمس)، نشاكس المارة، نعلق الحبل عليها ونعمل منه الأرجوحة. في الخريف نحزن كثيرا حين تذبل أوراقها وتتحول مصفرة اللون وتسقط مثقله بالدموع، كلما تسقط منها ورقة تسقط معها أحلامنا الصغيرة.

 

في يوم ما سرقتُ من صندوق أمي الخشبي مبلغاً من المال وأخفيته تحت الشجرة، وفي اليوم التالي اشتريتُ به مجموعة جبران خليل جبران الكاملة من أحدى مكتبات الباب الشرقي، قرأته تحت ظل الشجرة، ألهمني هذا الكتاب في كتابة درس الإنشاء، الرسائل الغرامية لصديقتي، وكتابة الرسائل إلى الجنود في جبهة القتال.
في إحدى أيام الشتاء وفي بداية الحرب الأولى، تعرضتُ لنزلة برد شديدة كادت تودي بحياتي للموت لولا أوراق هذه الشجرة بعد أن استنشقت بخارها أنقذتني من الموت.

 

نهاية شجرة
كنتُ نأئما في غرفتي لا أعرف ما إذا كنتُ أحلم؟ صحوت على ضجيج الأهل مجتمعين، مشغولين بقطع الشجرة، بحجة أنها لا تثمر، ضربوها بوحشية، لم يعرفوا الرحمة، ذبحوها كالبقرة مبتهجين، اسمعها تئن، أمي ومجموعة من إخوتي اعترضوا بشدة على هذه الفكرة، قال لنا أبي بصوت حازم كأنه يمثل دورا مسرحياً: "نحن في حالة حرب، وبحاجة ماسة للأخشاب، وأضاف أن الشجرة التي لا تثمر كالمرأة التي لا تنجب، إنها ذات فأل سيئ تجلب لنا النحس". غابت الشجرة، حل محلها الخواء، وضعوا مكانها تواليت للضيوف، كلما اذهب للتواليت أتذكر الشجرة. قطعوا الشجرة، أمكنة الطفولة، وأحلام اليقظة، بحرقة بكيت عليها. الشجرة وأخوتي نبكي، لا حول لنا ولا قوة، نبكي وأمي تهدئنا ثم تشاركتنا الحزن والبكاء. أقسمت أمي أن لا تستخدم جذعها حطباً في التنور.
 

قبل الوداع ألقيتُ بجسدي المتعب عليها، عانقتها للمرة الأخيرة، وضعتُ يدي على خاصرتها، حضنتها بقوة، انه الغياب المفاجئ الذي يشبه الوداع، نامت شجرتنا وماتت أحلامي معها.

 

 الصورة: أكاديمة الفنون الجميلة- بغداد في الثمانينات- إرشيف صالح حسن فارس

 

  •  الصورة: أكاديمة الفنون الجميلة- بغداد في الثمانينات- إرشيف صالح حسن فارس<br>&copy; RNW

إقرأ أيضا:

أحدث البرامج الإذاعية

بث إذاعة هولندا العالمية

Huna Amsterdam (RNW) ‏ على فيس بوك

تقارير بالصورة

موازين المغرب يواجه سهام النقد
اذاعة هولندا العالمية - مع كل انطلاقة لمهرجان موازين في المغرب (24 مايو...
حملة "تمرد" تسعى للاطاحة بشرعية محمد مرسي
اذاعة هولندا العالمية - ينظم مجموعة من الشباب المصري حملة لجمع التواقيع...
اذاعة فيسبوك نافذة لشباب غزة لطرح همومهم
 من غرفة صغيرة في شرق بلدة عبسان القريبة من الحدود مع اسرائيل في خان...